لنا دوما معكم لقاء

الخميس، 8 أكتوبر 2026

«بنت العرعار الحسناء في ساحة جامع الفناء» تفتتح توطين الأوركيد بأزيلال

في إطار مجال التوطين المسرحي لموسم 2026، تستهل فرقة الأوركيد – بني ملال برنامج توطينها بالمركز الثقافي بأزيلال، يوم السبت 3 أكتوبر 2026، على الساعة السادسة مساءً، بالعرض الأول لمسرحية «بنت العرعار الحسناء في ساحة جامع الفناء»، وذلك بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة.
هذه المسرحية أعدها دراماتورجيًا وأخرجها الأستاذ عبد المجيد فنيش، عن النص الأصلي «بهجة البهوج» للمؤلف الأستاذ عبد الإله بن هدار، فيما أنجز السينوغرافيا إدريس السنوسي، اما تشخيص أدوار المسرحية فقد وقعها كل من: محمد حمزة، إلهام بطازموت، عبده فلالي، هبة لحلو، المصطفى غانيم، ونبيل البوستاوي.
وتعد مسرحية «بنت العرعار الحسناء في ساحة جامع الفناء» عملاً مسرحيًا يستلهم أجواء ساحة جامع الفناء بمراكش، باعتبارها فضاءً غنيًا بالحكايات الشعبية وفنون القول والفرجة والحكي والحلقة
وينطلق هذا العمل المسرحي من الأسطورة الإغريقية «بيجماليون»، كما يستحضر القصيدة الملحونية «بنت العرعار» للشاعر الملحوني بنصغير الصويري، ويجمع العرض بين مجموعة من العناصر الفنية والتراثية.
فهو لا يعتمد على الحوار وحده، بل يوظف العزف الحي والإنشاد وفن الملحون والحكي الشعبي وفن الحلقة، مما يمنحه طابعًا مغربيًا مميزًا، ويجعل العرض قريبًا من تقاليد الفرجة الشعبية المغربية، وخاصة تقاليد الحلقة التي تتميز بالتواصل المباشر مع المتفرج، الذي يشعر وكأنه داخل أجواء الحلقة الشعبية في ساحة جامع الفناء.
وتحتل الذاكرة مكانة أساسية في هذا العمل المسرحي، إذ يحاول استحضار جوانب من التاريخ والثقافة المغربية، من خلال الاحتفاء بعدد من رموز المسرح المغربي، واستعادة جزء من الذاكرة المسرحية المغربية وتقديمها بطريقة فنية، وكذا من خلال استحضار العنصر النسائي، في إشارة إلى حضور المرأة وإسهامها في التاريخ والثقافة المغربية.
وفي الأخير، يمكن القول إن مسرحية «بنت العرعار الحسناء في ساحة جامع الفناء» تجمع بين التراث المغربي والانفتاح على التراث الإنساني، وتسعى إلى جعل المسرح وسيلة لاستعادة الذاكرة والاحتفاء بالثقافة والفن المغربيين.
وستسبق انطلاقة العرض المسرحي جلسة مع المؤلف عبد الإله بن هدار، للتعريف بالنص الأصلي ومناقشته، وفتح المجال أمام الحاضرين للتفاعل وطرح الأسئلة حول العمل ومساره من النص إلى الخشبة، على أن تختتم الجلسة بتوقيع نسخ من المسرحية لفائدة الحاضرين.
وتندرج هذه الجلسة ضمن المكونات التنشيطية لمشروع توطين الأوركيد 2026، الذي يتضمن، إلى جانب العروض المسرحية والفنية، برنامجًا متنوعًا يشمل ماستر كلاس مع فنانين لهم تجربة وازنة، ولقاءات «تجارب مسرحية»، وندوات ولقاءات فكرية، وورشات تكوينية متخصصة، وتوقيعات أدبية وفنية.
وتشكل هذه الانطلاقة بالمركز الثقافي بأزيلال محطة أساسية في مسار التوطين المسرحي لفرقة الأوركيد، من خلال تقديم عمل جديد يراهن على التراث الشفهي والموسيقي المغربي، والحكي، والملحون، والذاكرة، واستحضار التجربة المسرحية المغربية ضمن رؤية فنية معاصرة.




الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

الفنانة فاطمة الزهراء أحرار ممثلة وامرأة غير عادية

الفنانة فاطمة الزهراء أحرار ممثلة وامرأة غير عادية، أنها عاشقة الركح، وأنت تتابعها وهي تشخّص دور "البوعارية" أو "الميخالية" رفقة حسن عين الحياة (البوكوس) في العرض المسرحي «قنديل لالة»، التي استضافها المسرح الوطني محمد الخامس بإنتاج مشترك مع فرقة "البديل المسرحية"، مساء الثلاثاء 29 شتنبر 2026. بكل تجلياته ومكوّناته الدراماتورجية، تعود بك الذاكرة-وأكيد بشكل لا إرادي-إلى الراحلة ثريا جبران، المرأة الغاضبة والمتألقة في مسرحية "بوغابة"، خصوصًا في علاقتها بالمتلقي، وقدرتها على صناعة الدعابة من داخل الفعل المسرحي دون افتعال أو ارتباك.
وقد جمعت فاطمة الزهراء أحرار بين الاثنين: الغضب والدعابة، وهما من أقوى الأدوات الدرامية، فحين يجتمع هذان العنصران، يمنحان النص عمقاً نفسياً وتأثيراً كبيراً على الجمهور، فيما يُعرف غالباً بالكوميديا السوداء أو المفارقة الدرامية.
ولقد أثلجت فاطمة الزهراء أحرار صدورنا وانتزعت منا تلك الابتسامة بهذه المفارقة العجيبة وبتلك الخفة النادرة، وذلك الحضور الذي لا يعرف الارتجاف أمام الجمهور، بل ينفتح عليه بطلاقة غير معهودة إلا لدى القامات الكبيرة، دعابة تنبع من الشخصية ومن اللحظة المسرحية، فتتحول العلاقة مع المتلقي من مجرد تواصل إلى لعبة مسرحية حية، يصبح فيها الجمهور شريكًا في إنتاج اللحظة، لا مجرد متفرج عليها.
وفي «قنديل لالة»، اخراج اسماعيل بوقاسم، تمنح فاطمة الزهراء أحرار لهذه الروح حضورًا خاصًا، إذ يتحول أداؤها إلى اختبار حقيقي للتمكن، وللقدرة على الإمساك بإيقاع القاعة، والتقاط تفاصيل اللحظة، ومجاراة المتلقي، بل ومفاجأته أحيانًا، دون أن تفقد الشخصية مسارها أو ينفلت العرض من بنيته الدراماتورجية.
إنها طلاقة لا تُدرَّس بسهولة، ولا تختصرها تقنيات الأداء وحدها، وإنما تُصقل عبر تجربة طويلة مع الخشبة والجمهور؛ طلاقة القامات التي حين تمازح المتلقي لا تغادر المسرح، وحين تضحكه لا تسقط في الاستسهال، بل تجعل من الدعابة نفسها جزءًا من الفعل المسرحي.
وهنا تحديدًا تكمن فرادة فاطمة الزهراء أحرار في «قنديل لالة»: أن تجعل حضورها مع الجمهور امتدادًا للشخصية، وأن تجعل من اللحظة العابرة لحظة مسرحية مكتملة، تؤكد أن الممثل الكبير لا يكتفي بتشخيص الدور، بل يصنع، في كل عرض، علاقة جديدة مع القاعة.
لا فض فوك يا فراشة الخشبة... أنتِ تُبهريننا!






الخميس، 10 سبتمبر 2026

الوادي يسأل الأستاذ سالم اكويندي لنكن صريحين..

- الوادي: أستاذ سالم، لنكن صريحين: ما يسمى اليوم بالمسرح المدرسي ليس مسرحاً، بل فقرة ترفيهية رديئة تلصق في آخر الحفل.
- كويندي: في مؤسسات كثيرة، نعم. حين لا نتذكر المسرح إلا في مناسبة وطنية أو حفلة نهاية السنة، فنحن لا نمارس المسرح، بل نستعمله لتزيين البرنامج.
- الوادي: من المسؤول؟ الوزارة؟
- كويندي: الوزارة أولاً حين تعتبر الفن هامشاً، والإدارة حين تراه عبئاً، والمؤسسة حين لا تمنحه زمناً، والمدرس حين يحوله أحياناً إلى تلقين.
- الوادي: تتهم الجميع؟
- كويندي: لأن المشكلة ليست فرداً. إنها منظومة كاملة تتعامل مع المسرح باعتباره نشاطاً زائداً، ثم تتساءل لماذا هو ضعيف.
- الوادي: لكن الوزارة تتحدث منذ سنوات عن الحياة المدرسية والأنشطة الموازية.
- كويندي: الكلام لا يصنع مسرحاً.
- الوادي: عبارة قاسية.
- كويندي: القسوة أن تطلب من أستاذ أن يصنع عرضاً بلا قاعة، بلا ميزانية، بلا تكوين، ثم ترسل لجنة لتقييمه.
- الوادي: كأن المؤسسة تريد النتيجة من دون أن توفر شروطها.
- كويندي: بالضبط. نريد مسرحاً محترماً بعقلية التدبير الأدنى: دبر راسك.
- الوادي: وبعض الأساتذة يتطوعون.
- كويندي: هذا جميل، لكنه ليس سياسة تربوية. لا يمكن أن تبني مشروعاً وطنياً على بطولة أفراد.
- الوادي: هل أصبح المسرح المدرسي إذن رهينة الأستاذ المتحمس؟
- كويندي: في كثير من الأحيان، نعم. إذا وجد أستاذ عاشق للمسرح تحرك النشاط، وإذا انتقل أو تقاعد مات كل شيء. هذه ليست مؤسسة، هذه صدفة.
- الوادي: الأخطر أن بعض العروض المدرسية تجعل الطفل يردد جملاً لا يفهمها.
- كويندي: هنا تتحول الخشبة إلى قسم للحفظ.
- الوادي: أليس ذلك نوعاً من الاستبداد التربوي؟
- كويندي: أحياناً نعم. نكتب للطفل، ونفكر مكانه، ونختار حركته، ونحدد نبرته، ثم نصفق له لأنه نفذ أوامرنا جيداً.
- الوادي: أي إننا لا نصنع ممثلاً صغيراً، بل موظفاً صغيراً.
- كويندي: إذا غاب الخيال والمبادرة، نعم.
- الوادي: بل قد نكون ندرّبه مبكراً على الطاعة.
- كويندي: هذه أكبر مفارقة. المسرح في جوهره سؤال، بينما نحن أحياناً نحوله إلى جواب محفوظ.
- الوادي: لماذا نخاف من سؤال الطفل؟
- كويندي: لأن المدرسة التقليدية ترتاح للتلميذ الذي يجيب، لا للتلميذ الذي يناقش.
- الوادي: إذن المسرح يزعج المدرسة؟
- كويندي: المسرح الحقيقي يزعج كل سلطة تريد الصوت الواحد.
- الوادي: حتى سلطة المدرس؟
- كويندي: خصوصاً حين يعتقد أن المعرفة تمر من فمه فقط.
- الوادي: هذه مشكلة حساسة.
- كويندي: لكنها حقيقية. في المسرح، قد تكون فكرة الطفل أفضل من فكرة المؤطر، وعلى المؤطر أن يقبل بذلك بعض الأحيان.
- الوادي: لننتقل إلى النص. لماذا تبدو بعض المسرحيات المدرسية كأنها نشرات توجيهية: حافظ على البيئة، لا تدخن، اِحترم قانون السير؟
- كويندي: لأن البعض يخلط بين المسرح والملصق التحسيسي.
- الوادي: لكنه يريد أن يربي.
- كويندي: التربية لا تعني قتل الفن.
- الوادي: كيف ذلك؟
- كويندي: عندما تدخل القاعة وأنت تعرف مسبقاً الرسالة والنتيجة والأخلاق التي ستلقن لك، أين المسرح؟ المسرح سؤال وصراع واكتشاف، لا خطبة جمعة مصغرة.
- الوادي: حتى المسرح الموجه للأطفال؟
- كويندي: خصوصاً المسرح الموجه للأطفال.
- الوادي: لماذا؟
- كويندي: لأن الطفل يكتشف التزييف بسرعة. قد لا يملك المصطلحات النقدية، لكنه يشعر متى تكلمه من فوق.
- الوادي: هل نحن نحتقر ذكاء الطفل؟
- كويندي: أحياناً نفعل ذلك باسم التربية.
- الوادي: جملة خطيرة.
- كويندي: الأخطر منها ما يحدث على الخشبة.
- الوادي: وماذا عن المسابقات المدرسية؟
- كويندي: ليست المشكلة في المسابقة، بل حين تصبح الجائزة أهم من التجربة.
- الوادي: بمعنى؟
- كويندي: حين يدخل الأستاذ في سباق للفوز، قد يحول الأطفال إلى أدوات لتحقيق الرتبة الأولى.
- الوادي: أليس في هذا اتهام مباشر؟
- كويندي: أنا أتحدث عن خطر قائم. المسرح المدرسي ليس مصنع ميداليات.
- الوادي: ولا مهرجاناً للأستاذ؟
- كويندي: ولا مناسبة لالتقاط الصور.
- الوادي: لكن الصور مهمة لإثبات النشاط.
- كويندي: هذه إحدى المآسي الإدارية: أصبح النشاط أحياناً موجوداً لأنه موثق في الصور، لا لأنه ترك أثراً في الطفل.
- الوادي: صورة على صفحة المؤسسة تكفي.
- كويندي: صورة، تدوينة، عبارة "في إطار تنزيل أنشطة الحياة المدرسية"، وانتهى المسرح.
- الوادي: أنت تسخر من اللغة الإدارية.
- كويندي: اللغة حين تغطي الفراغ تصبح مضحكة.
- الوادي: ماذا يحتاج المسرح المدرسي فعلياً؟
- كويندي: تكوين، زمن، فضاء، تأطير، نصوص جيدة، واستمرارية.
- الوادي: والمال؟
- كويندي: مطلوب، لكنه ليس العصا السحرية.
- الوادي: كثيرون يبررون الضعف بنقص الميزانية.
- كويندي: يمكنك أن تصنع عرضاً حياً بكرسي وحبل وممثل جيد. ويمكن أن تفشل بملايين. إذن المشكلة فكرية، قبل أن تكون تقنية.
- الوادي: هل نحن أمام أزمة تصور؟
- كويندي: بالتأكيد. نحن لا نعرف ماذا نريد من المسرح المدرسي: هل نريده للفرجة؟ للمسابقة؟ للدعاية؟ أم لتكوين الإنسان؟
- الوادي: إذا كان الجواب: لتكوين الإنسان؟
- كويندي: فعليك أن تغير طريقة اشتغالك كلها.
- الوادي: كيف؟
- كويندي: اِجعل الطفل شريكاً، لا منفذاً. دع النص يتنفس. اِسمح بالارتجال. اِقبل الخطأ. ناقش العرض بعد انتهائه. لا تجعل الخشبة منصة للوعظ.
- الوادي: هل يسمح النظام المدرسي بهذا القدر من الحرية؟
- كويندي: هنا بيت القصيد.
- الوادي: ماذا تقصد؟
- كويندي: لا يمكن أن تطالب بمسرح حر داخل مؤسسة تخاف من كل حركة غير محسوبة.
- الوادي: تقصد أن المسرح يصطدم أحياناً بعقلية الضبط؟
- كويندي: المسرح بطبيعته يفتح المساحة. والبيروقراطية بطبيعتها تحب الحدود.
- الوادي: إذن الصدام حتمي؟
- كويندي: ما لم نفهم أن التربية ليست إدارة صامتة للأجساد.
- الوادي: عبارة ثقيلة.
- كويندي: لكنها جوهر القضية.
- الوادي: ماذا تقول لمسؤول يفتخر بأن وزارته تنظم مهرجاناً وطنياً للمسرح المدرسي؟
- كويندي: أسأله: ماذا يحدث في المدارس بقية السنة؟
- الوادي: وإذا أجاب: هناك أنشطة.
- كويندي: أسأله: كم أستاذاً تلقى تكويناً حقيقياً؟ كم مؤسسة تتوفر على فضاء مناسب؟ كم ساعة تخصص للممارسة؟ كم نصاً جديداً ينتج؟ كم تجربة تستمر أكثر من موسم؟
- الوادي: وإذا لم يجب؟
- كويندي: يصبح المهرجان واجهة.
- الوادي: قاسية.
- كويندي: المسرح نفسه قاسٍ؛ يكشف ما تحاول المؤسسة إخفاءه.
- الوادي: هل ترى أن المسرح المدرسي اليوم في أزمة؟
- كويندي: أقول إنه يعيش مفارقة: الجميع يشيد بأهميته، وقليلون يعاملونه كما لو كان مهماً فعلاً.
- الوادي: أجمل تعريف للنفاق التربوي.
- كويندي: سمّه ما شئت.
- الوادي: سؤال أخير: لو جلست اليوم أمام وزير التربية، ماذا ستقول له في جملة واحدة؟
- كويندي: لا تجعل المسرح المدرسي صورة في تقرير.
- الوادي: وللمدير؟
- كويندي: لا تتعامل معه كإزعاج.
- الوادي: وللأستاذ؟
- كويندي: لا تجعل الطفل يردد صوتك.
- الوادي: وللتلميذ؟
- كويندي: لا تخف من أن تقول على الخشبة ما لم يسمح لك القسم أن تقوله.
- الوادي: وللمسرح المدرس
ي نفسه؟
- كويندي: إما أن تدخل المدرسة باعتبارك تربية حقيقية... أو ابق خارجها، حتى لا يحولوك إلى فقرة بين النشيد الوطني وتوزيع الجوائز.

منقول من صفحة  عبد الرحمان الوادي

الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

حوار جمع بين الصديقي وعبد الرحمان الوادي

 

- الوادي: سي الطيب، لو عدت اليوم إلى المسرح المغربي، هل ستتعرف عليه؟
- الصديقي: سأتعرف على بعض الوجوه، وبعض الخشبات، لكنني قد أبحث طويلاً عن ذلك الجنون الذي كان يجعلنا نؤمن بأن المسرح ضرورة، لا مجرد نشاط موسمي.
- الوادي: ألهذه الدرجة ترى أن المسرح المغربي فقد ضرورته؟
- الصديقي: لم يفقدها، لكنه نسيها. المسرح لا يموت، الناس هم الذين يتوقفون عن معاملته باعتباره سؤالاً مصيرياً.
- الوادي: لكننا نملك مهرجانات كثيرة، وعروضاً كثيرة، ودعماً عمومياً، ومعاهد للتكوين.
- الصديقي: كثرة العروض لا تعني وجود حياة مسرحية. يمكنك أن تملأ السنة بالمهرجانات، وتظل المدينة بلا مسرح.
- الوادي: ما الفرق؟
- الصديقي: المهرجان موعد، أما المسرح فعادة ثقافية. حين يعرف المواطن أن بإمكانه مساء كل أسبوع أن يذهب إلى قاعة ويشاهد عرضاً، فهناك حياة مسرحية. أما أن ننتظر مناسبة أو دعماً أو موسماً، فنحن نصنع أحداثاً لا مسرحاً.
- الوادي: هل المشكلة في الدولة؟
- الصديقي: الدولة جزء من المشكلة حين تتعامل مع المسرح باعتباره ملفاً إدارياً، وجزء من الحل حين توفر له البنية والتكوين والحرية. لكنني لا أحب المسرحي الذي يجعل فشله كله في جيب الوزارة.
- الوادي: لماذا؟
- الصديقي: لأن المسرحي الذي لا يستطيع أن يخلق جمهوره لن تسعفه أكبر ميزانية.
- الوادي: ولكن خلق الجمهور اليوم أصعب من الأمس. التلفزيون والمنصات والهاتف اختطفت الناس.
- الصديقي: التلفزيون لم يقتل المسرح، والهاتف لن يقتله. المسرح يُقتل حين يصبح أقل حياةً من الهاتف. إذا صعد الممثل إلى الخشبة وهو لا يملك ما يدهشني به، فلماذا أترك شاشة تحمل العالم كله في يدي وأذهب إليه؟
- الوادي: إذن المسؤولية مسؤولية الفنان؟
- الصديقي: مسؤولية الجميع، لكن الفنان هو أول من يجب أن يُسأل. لا يحق له أن يطالب الجمهور بالحضور كما لو كان الجمهور موظفاً عنده.
- الوادي: هناك من يقول إن الجمهور المغربي لم يعد يملك ذائقةً مسرحية.
- الصديقي: هذه إهانة للجمهور. حين يفشل الفنان يقول إن الجمهور جاهل. الجمهور أكثر ذكاءً مما نظن. قد لا يعرف المصطلحات، لكنه يعرف متى يُكذب عليه.
- الوادي: وأين يقع الكذب اليوم؟
- الصديقي: في كثير من الادعاء. عرض ضعيف يختبئ خلف كلمة "تجريب". غموض يختبئ خلف كلمة "حداثة". فراغ يختبئ خلف سينوغرافيا جميلة. وصراخ يختبئ خلف كلمة "التزام".
- الوادي: أنت الذي انفتحت على بريخت وموليير والمسرح العالمي، ومع ذلك التصقت بالتراث المغربي. لماذا؟
- الصديقي: لأنني لم أكن أريد أن أكون نسخة رديئة من أوروبي جيد.
- الوادي: وماذا عن الكتابة المسرحية؟ هناك من يعتقد أن المخرج أصبح أقوى من النص.
- الصديقي: لا مشكلة أن يكون المخرج قوياً. المشكلة أن يعتقد أن قوته تبدأ بإلغاء الكاتب.
- الوادي: هل نحن في أزمة نص مسرحي؟
- الصديقي: نحن في أزمة علاقة بالنص. أحياناً يكتب الكاتب نصاً لا يرى الخشبة، وأحياناً يتعامل المخرج مع النص كأنه مادة خام يجب تحطيمها حتى يثبت أنه مبدع.
- الوادي: وأين الممثل؟
- الصديقي: الممثل هو الكائن الوحيد الذي لا يستطيع المسرح أن يستغني عنه.
- الوادي: لدينا مدن كثيرة لا تملك قاعات مسرح حقيقية.
- الصديقي: هذه فضيحة ثقافية. لا يمكنك أن تتحدث عن سياسة مسرحية في بلد لا يستطيع فيه المواطن أن يجد مسرحاً في مدينته.
- الوادي: ولكن بناء القاعات وحده لا يكفي.
- الصديقي: بالطبع. نحن بارعون أحياناً في بناء الحجر ونسيان الحياة داخله.
- الوادي: ماذا تحتاج القاعة حتى تصبح مسرحاً؟
- الصديقي: فرقة، برنامج، جمهور، تقنيون، إدارة تعرف الثقافة، وذاكرة تتراكم من موسم إلى موسم.
- الوادي: وماذا تقول عن دعم المسرح؟

منقول من صفحة الوادي للافادة

عوالم الصفاء

من جهة شمس 
جاءت كلمات 
تعلو الخشبة،
خارج الستارة،
وتعيد ترتيب بهاء،
يرجع بنا سنوات ضوئية
إلى عوالم الصفاء !
يا من يملأ ما بين
المشهد والمشهد
 مساحة تسكنها
 أشياء جميلة،
توصلها كلمات،
يوقظ نسيمها
في الروح مشهدا ناقصا،
يتمه التعزيز ...
على مهل !
لك من الإمتنان
ما يليق بنور،
يهدهد الصمت،
ويملأ في الذاكرة، 
ما ينير من الإنسان
الجهات المنسية،
ويحارب فيها كل العتمات !
         فاطمة ميرات 10 / 09 / 2026


 

الجمعة، 28 أغسطس 2026

المونودراما: جماليات المسرح الفردي وتحولات الخطاب الدرامي

اقتباس محمد الشندودي 

المصدر: منارة الفن، الفايسبوك
مقدمة
 تُعدّ المونودراما أحد الأشكال المسرحية التي تقوم على حضور شخصية واحدة فوق الخشبة، تتولى إنتاج الفعل الدرامي وتوجيه الخطاب وبناء العالم المسرحي من خلال الكلام والحركة والإيماءة والصمت. وإذا كان المسرح التقليدي قد تأسس غالبًا على تعدد الشخصيات وتفاعلها، فإن المونودراما تنقل مركز الثقل من الحوار الخارجي إلى الصراع الداخلي، ومن تعدد الأصوات إلى صوت واحد تتشعب داخله أصوات الذاكرة والوعي والآخر الغائب.
ولا يعني حضور شخصية واحدة بالضرورة غياب الدراما؛ فالتوتر الدرامي في المونودراما قد ينشأ من الصراع النفسي، أو من استعادة الماضي، أو من مواجهة شخصية غائبة، أو من التناقض بين ما تقوله الشخصية وما تضمره. ومن هنا أصبحت المونودراما مجالًا خصبًا للتجريب المسرحي واستكشاف أعماق الذات الإنسانية.
أولًا: مفهوم المونودراما
يتكون مصطلح المونودراما من مقطعين: Mono بمعنى واحد أو فردي، وDrama بمعنى الفعل المسرحي. ومن ثم يدل المصطلح على الدراما التي تتمحور حول شخصية واحدة تؤدي الفعل المسرحي بصورة أساسية.
غير أن اختزال المونودراما في كونها «مسرحية لشخص واحد» لا يستنفد خصوصيتها الفنية؛ لأن الشخصية الوحيدة قد تدخل في علاقات متخيلة مع شخصيات أخرى، أو تستحضر أصواتًا غائبة، أو تتحدث إلى جمهورها، أو إلى ذاتها، أو إلى شخصية غير حاضرة على الخشبة. لذلك فالمونودراما ليست إلغاءً للتعدد، بقدر ما هي إعادة صياغة للتعدد داخل وعي شخصية واحدة.
ثانيًا: المونودراما والتحول في بنية الفعل المسرحي
تختلف بنية الفعل في المونودراما عن المسرح القائم على تعدد الشخصيات. ففي المسرح التقليدي يتطور الحدث من خلال التفاعل بين الشخصيات، أما في المونودراما فإن الحدث قد يتولد من فعل التذكر، أو الاعتراف، أو الانتظار، أو الاسترجاع، أو المواجهة النفسية. 
وبذلك يصبح الحدث أحيانًا أقل ارتباطًا بالحركة الخارجية وأكثر ارتباطًا بحركة الوعي. فقد تقف الشخصية في مكان واحد، لكن وعيها ينتقل بين أزمنة وأمكنة وذكريات متعددة، الأمر الذي يجعل الزمن النفسي عنصرًا أساسيًا في بناء العرض.
ثالثًا: الصوت الواحد وتعدد الأصوات
تقوم المونودراما على مفارقة أساسية: صوت واحد قادر على إنتاج تعدد صوتي. فالشخصية قد تتحدث بصوتها، ثم تستحضر صوت الأب أو الأم أو الحبيب أو الخصم أو المجتمع، وقد تنتقل من مخاطبة الآخر إلى مخاطبة ذاتها.
وهنا تقترب المونودراما من مفهوم الحوار الداخلي؛ إذ يصبح الحوار قائمًا داخل الشخصية نفسها. ويمكن أن يتجسد ذلك من خلال الأسئلة والأجوبة، أو التردد، أو التناقض، أو الانقسام النفسي، أو الانتقال المفاجئ بين مواقف مختلفة.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى المونودراما بوصفها مسرحًا لـتعدد الذات أكثر من كونها مسرحًا للصوت الواحد.
رابعًا: الزمن في المونودراما
يحتل الزمن مكانة مركزية في المونودراما، لأن الشخصية الواحدة تستطيع أن تستعيد الماضي وتستشرف المستقبل وتعيش الحاضر في لحظة مسرحية واحدة.
وتكثر في هذا الشكل المسرحي تقنيات مثل الاسترجاع والاستباق والتداعي الحر، بحيث لا يكون الزمن المسرحي مطابقًا للزمن الواقعي. فقد يبدأ العرض من لحظة حاضرة، ثم تنفتح ذاكرة الشخصية على أحداث قديمة، قبل أن تعود إلى اللحظة الراهنة.
وهكذا يصبح الزمن في المونودراما زمنًا نفسيًا وذهنيًا، تتحكم فيه الذاكرة والانفعال أكثر مما تتحكم فيه الساعة أو التسلسل الزمني الخارجي.
خامسًا: اللغة والحوار الداخلي
تكتسب اللغة في المونودراما أهمية استثنائية، لأنها تحمل في الوقت نفسه وظيفة سردية ووصفية ودرامية. فالشخصية لا تتحدث فقط، وإنما تقوم من خلال خطابها ببناء المكان واستحضار الشخصيات الغائبة وتفسير الأحداث والكشف عن ماضيها.
كما أن اللغة قد تتخذ شكل الاعتراف أو المناجاة أو المونولوج الداخلي، وقد تتدرج من الجمل الطويلة المتدفقة إلى الجمل القصيرة المتقطعة، تبعًا للتحولات النفسية للشخصية.
ومن هنا فإن الصمت نفسه يصبح جزءًا من اللغة المسرحية؛ إذ قد تكون الوقفة أو النظرة أو الحركة أبلغ من الكلام، خصوصًا عندما تعجز الشخصية عن التعبير المباشر عن صراعها الداخلي.
سادسًا: الجسد بوصفه لغة
لا تعتمد المونودراما على اللغة المنطوقة وحدها، بل تمنح الجسد دورًا مركزيًا في إنتاج المعنى. فحركة الممثل، ونظراته، ووقفته، وتنقلاته، وإيماءاته، ونبرة صوته، كلها عناصر تدخل في بناء الدلالة.
وبسبب غياب الممثلين الآخرين، يصبح جسد الممثل أكثر قدرة على تعويض غياب الشخصيات الأخرى. فقد يتحول المكان أو الكرسي أو المرآة أو الباب إلى طرف ضمني في الحوار، وقد تتوجه الشخصية إلى فضاء فارغ كما لو كانت تخاطب شخصًا حاضرًا.
سابعًا: المونودراما والسيميائيات المسرحية
يمكن دراسة المونودراما من منظور سيميائي باعتبارها شبكة من العلامات المتفاعلة. فالكلمة علامة، والجسد علامة، والملابس والإضاءة والديكور والموسيقى والصمت علامات أخرى تسهم مجتمعة في بناء المعنى.
وتتضاعف أهمية هذه العلامات في المونودراما لأن العرض لا يستطيع الاعتماد على تعدد الشخصيات لإنتاج الدلالة، فيصبح كل عنصر مسرحي حاملًا لوظيفة دلالية أكبر.
ومن ثم يمكن القول إن المونودراما تقوم على اقتصاد في الشخصيات مقابل كثافة في العلامات.
ثامنًا: المونودراما بوصفها مسرحًا للذات
من أبرز إمكانات المونودراما أنها تتيح للكاتب والممثل الغوص في أعماق الذات الإنسانية. فالشخصية قد تكشف أسرارها، ومخاوفها، وذكرياتها، ورغباتها، وشعورها بالذنب أو الاغتراب.
ولهذا ارتبطت المونودراما في كثير من تجلياتها بقضايا الوجود والهوية والذاكرة والموت والوحدة والعزلة. فالمسرح هنا لا يعرض الإنسان في علاقته بالآخر فقط، وإنما يعرضه في مواجهته مع ذاته.
تاسعًا: المونودراما والتجريب المسرحي
تُعد المونودراما من الأشكال القابلة للتجريب؛ إذ يستطيع المخرج أن يوظف الإضاءة والموسيقى والصوت المسجل والشاشات والوسائط الرقمية والمؤثرات البصرية لخلق شخصيات وأصوات وأمكنة غير حاضرة ماديًا.
وبذلك يمكن للمونودراما الحديثة أن تتجاوز النموذج التقليدي للممثل المنفرد، لتصبح فضاءً تتفاعل فيه ذات الممثل مع أصوات وصور وذاكرات ووسائط متعددة.
خاتمة 
تكشف المونودراما عن قدرة المسرح على إنتاج الدراما خارج النموذج التقليدي القائم على تعدد الشخصيات والحوار الخارجي. فهي تجعل الشخصية الواحدة مركزًا للفعل والصراع واللغة، وتحوّل الذاكرة والوعي والجسد والصمت إلى عناصر أساسية في بناء الحدث المسرحي.
ومن هنا فإن قيمة المونودراما لا تكمن في تقليل عدد الشخصيات، وإنما في تكثيف العالم المسرحي داخل شخصية واحدة؛ شخصية يمكن أن تحمل في داخلها ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا، وأن تتحول من صوت فردي إلى فضاء تتقاطع فيه أصوات الذات والآخر والذاكرة والمجتمع.
مراجع:
- إريك بنتلي، الحياة المسرحية.
- باتريس بافيس، معجم المسرح.
- آن أوبيرسفيلد، مدرسة المتفرج.
- أوجينيو باربا ونيكولا سافاريزي، قاموس الأنثروبولوجيا المسرحية.
- مارتن إسلن، المسرح العبثي.

منقول للإفادة (من هنا)








الاثنين، 27 يوليو 2026

نظرية السمو عند لونجينوس


تُعد نظرية السمو (The Sublime) عند لونجينوس من أبرز النظريات النقدية في التراث اليوناني، وقد عرضها في كتابه «في السمو»، الذي يُعد من أهم المؤلفات في النقد الأدبي والبلاغة. وترتكز هذه النظرية على أن غاية الأدب ليست مجرد الإقناع أو الإمتاع، بل إحداث أثر عميق في نفس المتلقي يرفعه إلى حالة من الانبهار والإجلال.

مفهوم السمو:
السمو هو ذلك الأثر الفني الذي يثير في القارئ أو المستمع شعورًا بالعظمة والرهبة والإعجاب، فيتجاوز حدود الإقناع العقلي إلى التأثير الوجداني والروحي. ويرى لونجينوس أن النص السامي لا يكتفي بإقناع المتلقي، بل "ينقله" إلى مستوى أعلى من الإدراك والانفعال.
مصادر السمو عند لونجينوس
حدد لونجينوس خمسة مصادر رئيسية للسمو:
عظمة الفكر
·      أن يحمل الكاتب أفكارًا سامية ونبيلة.
·      فسمو النص يبدأ من سمو النفس والعقل.
قوة العاطفة
·      الانفعال الصادق والعميق.
·      فالعاطفة المصطنعة لا تخلق أثرًا ساميًا.
·      الصور البيانية والأساليب البلاغية
·      حسن توظيف الاستعارة والتشبيه والكناية وغيرها.
·      دون تكلف أو مبالغة.
جزالة الألفاظ
اختيار الكلمات الفخمة والقوية والمنسجمة مع المعنى.
بحيث تخدم الفكرة ولا تطغى عليها.
حسن التأليف والتركيب
تنسيق الجمل والإيقاع والترابط بين أجزاء النص.
فالأسلوب السامي يقوم على الانسجام والتوازن.
معوقات السمو
يرى لونجينوس أن هناك عوامل تفسد السمو، أهمها:
·      التكلف والتصنع.
·      المبالغة غير المبررة.
·      الزخرفة اللفظية الفارغة.
·      الابتذال وضعف الفكرة.
·      الإسهاب الذي يضعف قوة التأثير.
خصائص النص السامي
·      يثير الدهشة والإعجاب.
·      يترك أثرًا دائمًا في النفس.
·      يسمو بالمتلقي فكريًا ووجدانيًا.
·      يجمع بين جمال الأسلوب وعمق المعنى.
·      يتجاوز حدود الزمان والمكان.
أهمية النظرية
·      ربطت بين القيمة الفنية والقيمة الإنسانية للأدب.
·      أبرزت دور الموهبة إلى جانب الثقافة والبلاغة.
·      أثرت في النقد الأوروبي منذ عصر النهضة وحتى العصر الحديث.
·      ما تزال مرجعًا مهمًا في دراسة البلاغة والنقد الأدبي والجمالي.
تطبيقها على المسرح
في الفن المسرحي، يتحقق السمو عندما:
·      تعالج المسرحية قضايا إنسانية كبرى مثل الحرية والعدالة والكرامة والتضحية.
·      تمتلك الشخصيات عمقًا إنسانيًا يجعل المتفرج يتماهى معها.
·      يتكامل النص مع الأداء والإخراج والسينوغرافيا والموسيقى لإحداث أثر وجداني قوي.
·      يغادر المتفرج العرض وهو يحمل تجربة فكرية وعاطفية تتجاوز حدود التسلية.
خلاصة
يرى لونجينوس أن السمو هو أعلى درجات الإبداع الأدبي؛ فالنص العظيم ليس ما يزخر بالمحسنات البلاغية فحسب، وإنما ما يمتلك القدرة على أن يرفع المتلقي إلى تجربة جمالية وروحية استثنائية، تجعل أثره خالدًا في الذاكرة. ولذلك تبقى نظرية السمو من أكثر النظريات تأثيرًا في النقد الأدبي والفني، لأنها تجعل التأثير العميق في المتلقي معيارًا أساسيًا للحكم على جودة العمل الإبداعي.

كذلك في نظرية "السمو" (On the Sublime) يُعرّف بأنه قمة الإجادة والتميز في التعبير، وهو قدرة العمل الأدبي أو الفني على هز وجدان المتلقي ورفع روحه. وتتجلى مصادر السمو الكبرى في العناصر التالية:
·      عظمة الفكر (نور العقل): تمثل القدرة على التفكير العميق والتصصورات الجليلة، حيث ينبع السمو أصلاً من صداء الأفكار العميقة في عقل الإنسان وروحه.
·      إثارة الوجدان (الانفعال القوي): القدرة على تحريك المشاعر والعواطف العميقة لدى المتلقي وجعله يتفاعل وجدانياً مع العرض أو النص بشكل حماسي ومؤثر.
·      البلاغة السامية (صياغة التراكيب): استخدام الأساليب البلاغية واللغوية الكبرى بطريقة منسقة ومؤثرة تخدم المعنى وتضفي عليه فخامة وجلالاً.
·      في الارتفاع (السمو في التعبير والأداء): الارتقاء بالمستوى الفني والأدبي بحيث يتجاوز المألوف والعادي ليلامس آفاقاً تعبيرية شاهقة ترفع المتلقي إلى حالة من الإلهام والنشوة الروحية.

إن أرسطو يرى بأن العمل الفني يجب أن يحدث استجابة عند المتلقي، بحيث يتمكن المعنى الذي يريده المرسل في ذهنه تمكنا تاما وكاملا، مما يستدعي جملة من الأدوات والتقنيات التي ينبغي توفرها لتحقيق هذه الاستجابة، ويجسد التطهير مقياس نجاح المبدع في تمكين معناه.
إن هذا الطرح يربط بين أركان العملية الإبداعية وتلقيها، وتتقاطع هذه الرؤية مع الفلسفة النقدية والجمالية بشكل وثيق:
·استجابة المتلقي: يرى أستاذ الفلسفة والجمال أن غاية الفن لا تتوقف عند الإبداع فحسب، بل تمتد لتحقيق تأثير عميق وواضح في نفس المتلقي وعقله.
·اكتمال المعنى: يتطلب إيصال المعنى الذهني للمرسل بكامل تفاصيله استخدام منظومة متكاملة من الأدوات والتقنيات التعبيرية والفنية.
·التطهير كمعيار للنجاح: يُعدّ "التطهير" (Catharsis) عند أرسطو المعيار الأساسي لمدى قدرة المبدع على هز وجدان المتلقي وإحداث التفاعل الوجداني والعقلي المنشود.






الاثنين، 13 يوليو 2026

مسرح التراث الحي

 

مسرح التراث الحي هو اتجاه مسرحي يجعل التراث مادةً حيةً ومتجددة، لا مجرد إعادة تمثيل للماضي أو عرض فولكلوري. فهدفه ليس استنساخ الموروث، بل إعادة قراءته وتأويله وربطه بقضايا الإنسان المعاصر، بحيث يصبح التراث قوة فاعلة في الحاضر والمستقبل.
خصائص مسرح التراث الحي
إحياء التراث لا استنساخه: إعادة إنتاج الحكايات والأساطير والسير الشعبية برؤية جديدة.
الربط بين الماضي والحاضر: معالجة قضايا معاصرة من خلال شخصيات أو أحداث تراثية.
الاعتماد على الذاكرة الجماعية: استلهام الأمثال، الأغاني، الطقوس، الرقصات، والحرف التقليدية.
تجديد اللغة المسرحية: توظيف تقنيات حديثة مثل الإسقاط الضوئي، المسرح البصري، والموسيقى الإلكترونية إلى جانب العناصر التراثية.
مشاركة الجمهور: أحيانًا يتحول المتفرج إلى شاهد أو مشارك في الطقس المسرحي، فيستعيد العرض وظيفة الاحتفال الجماعي.
عناصره الأساسية
الحكاية الشعبية.
الأسطورة.
الطقوس والاحتفالات.
الموسيقى والرقصات التقليدية.
الأزياء والرموز المحلية.
العمارة والفضاء التراثي.
رواده في المسرح العربي
اعتمد عدد من المسرحيين العرب على التراث بوصفه مادة إبداعية، منهم:
توفيق الحكيم
الطيب الصديقي
عبد الكريم برشيد
سعد الله ونوس
يوسري الجندي
وقد تعامل هؤلاء مع التراث باعتباره فضاءً للتجديد الفكري والجمالي، وليس مجرد مادة تاريخية جامدة.
في المسرح المغربي
يتجلى مسرح التراث الحي في استثمار:
فن الحلقة.
الحكواتي.
الملحون.
كناوة.
أحواش وأحيدوس.
العيطة.
المواسم والطقوس الشعبية.
الحرف التقليدية والذاكرة المحلية.
وتُعاد صياغة هذه العناصر داخل عروض معاصرة تمزج بين الأصالة والتقنيات الحديثة.

بقلم رشيد شكري


الخميس، 7 مايو 2026

الله اكبر فناننا واستاذنا الكبير نبيل لحلو في ذمة الله


الله يرحمك ويغفر لك وتعازينا الحارة لزوجته الفنانة صوفيا ولاسرته الصغيرة وللاسرة الفنية الكبيرة ولجمهوره وانا لله وانا إليه راجعون
نبيل لحلو هو مخرج مسرحي ومؤلف وممثل مغربي ورائد من رواد الابداع المغربي يعتبر من أشهر المخرجين المسرحيين المغاربة في فترة الثمانينيات...درس الفن الدرامي بمدرسة شارل دولان وفي جامعة مسرح الشعوب بفرنسا، في بداية سنوات السبعينات درس نبيل لحلو مادة المسرحو بعد عودته إلى المغرب واصل نبيل لحلو كتاباته كامؤلف  وإخراج مسرحياته باللغة الفرنسية والعربية، كما اتجه أيضا إلى السينما. وتتميز سينما نبيل لحلو بكونها سينما خاصة، بحيث اعتمد في إنتاج معظم أفلامه على إمكاناته وقدراته الذاتية. أنتج نبيل لحلو وأخرج نصوص سينماه بنفسه ولعب الدور الرئيسي في معظمها. أخرج خلال مسيرته السينمائية سبعة أفلام، أربعة أفلام في الثمانينات، هي 'الحاكم العام' و'إبراهيم ياش' ، و'نهيق الروح' ، و'كوماني'، وكان أول أفلامه التي وقع عليها هو فيلم 'القنفوذي' ، أخرج فيلم 'ليلة القتل'.. أخرج فيلم 'سنوات المنفى'..الله يرحمك استاذنا الكبير قلبا وروحا وابداعا والانسان المتواضع بمعنى الكلمة...انا لله وانا اليه راجعون 


الأحد، 3 مايو 2026

قراءة في النص المسرحي"لما الحافي" للكاتب والمخرج حسن لهبابطة

 

في مسرحية " الما لحافي " لا يحضر العنوان باعتباره مجرد تسمية، بل يفتح أفقا دلاليا واسعا يضع القارئ أمام صورة مكثفة ، صورة الإنسان في لحظة تعر وجودي. فـ"الحافي" يحيل إلى الكائن المجرد من وسائل الحماية، العاري أمام قسوة الواقع و حقائقه ، بينما توحي كلمة "لما" بلحظة انتظار أو تساؤل معلق، كأن النص يهيئنا لزمن لم يكتمل بعد و يستمر فيه السؤال و القلق و الثوتر ومن هنا، يمكن ربط هذا البعد بفكرة الانتظارية التي تتجسد خصوصا في شخصية كودو، حيث يتحول الانتظار إلى وضعية وجودية تعكس التعليق الدائم للمصير الإنساني في خضم رحلة بحثه و توطينه للماء
ينبني النص على محور الماء بوصفه عنصرا يتجاوز طبيعته الفيزيائية ليغدو مركزا للصراع ودالا على الحياة والكرامة... فـ"رحلة توطين الماء" تحيل، في عمقها، إلى محاولة الإنسان البحث عن موضع قدم داخل عالم مضطرب، حيث يصبح الماء موضوع تنازع بين قوى مختلفة، لا من أجل امتلاكه فقط، بل من أجل ما يرمز إليه من سلطة وقدرة على التحكم في الوجود...
في هذا السياق، تتحدد العلاقات بين الشخصيات الثلاث: كودو، وأمودو، والراوية " المرأة " ، ضمن توتر دائم.في نص "لما الحافي"، تتكثف الدلالات حول وضعية إنسانية معلقة بين الرغبة في الاستقرار واستحالة و صعوبة تحقيق الوجود ، ويبرز ذلك بوضوح من خلال ثنائية الانتظار والسفر التي تجسدها شخصيتا كودو وأمودو.
فـكودو لا يقرأ فقط بوصفه طرفا في الصراع حول ندرة الماء، بل ككائن غارق في الانتظارية... هذا الانتظار ليس فعلا عابرا أو مرتبطا بحدث محدد ، بل هو حالة وجودية ممتدة effet marquant، توحي بزمن متوقف أو مؤجل ،  إن شخصية كودو يبدو وكأنه ينتظر تحقق شيء ما: ربما امتلاكا صدفة للماء، أو اعترافا بسلطته و تحقيقه لتوطين ندرة الماء ، أو حتى لحظة حسم تنهي التوتر اللامتناهي في خضم هذا الصراع الانساني الوجودي و المشروع droit légitime ، غير أن هذا الانتظار يظل معلقا، و لا يفضي إلى نتيجة عند كاتب النص ، فيتحول إلى نوع من الشلل الوجودي و عرقلة 
بهذا المعنى، يصبح كودو أسيرا لزمن دائري، حيث يتكرر الفعل دون تقدم، ويغدو الانتظار ذاته شكلا من أشكال السلطة الوهمية عند الكاتب : فهو ينتظر ليؤكد سيطرته، لكنه في الحقيقة يكشف عجزه عن الحسم... إن انتظارية كودو تعكس مفارقة عميقة : السعي إلى التحكم في الزمن يقود إلى الوقوع داخله....
في مقابل ذلك، تحضر شخصية أمودو بدلالة مغايرة، خصوصا إذا استحضرنا أن الاسم في الثقافة الأمازيغية المغربية يحيل إلى معنى السفر والترحال... هذه الدلالة ليست عرضية، بل تفتح أفقا تأويليا مهما داخل النص، فشخصية "أمودو "  لا يمثل فقط شخصية تبحث عن الماء، بل يجسد رحلة الإنسان ، الذي لا يملك رفاهية الانتظار، بل يضطر إلى الحركة المستمرة بحثا عن شروط البقاء...
إذا كان كودو يعيش في زمن الانتظار، فإن أمودو يعيش في زمن الحركة.
وإذا كان كودو يسعى إلى تثبيت الماء و امتلاكه، فإن أمودو ينخرط في رحلة دائمة نحوه، دون ضمان الوصول إليه ..
من هنا تتشكل ثنائية دلالية عميقة:
كودو  الانتظار ، الثبات ووهم السيطرة
بينما أمودو  السفر أي الحركة و البحث عن الحياة
غير أن هذه الثنائية لا تعني أن أحدهما يمتلك الحل؛ فالسفر عند أمودو ليس خلاصا نهائيا، بل هو أيضا شكل من المعاناة المستمرة. إنه محكوم بالرخلة و الشقاء و العناء الطويل ، أي بعدم الاستقرار، وكأن وجوده مرتبط دائما بنقص ما، بنقص الماء تحديدا. وبذلك، يتحول السفر إلى قدر، لا إلى اختيار حر.
أما العلاقة بين الشخصيتين، فتبرز توترا بين نموذجين للوجود:
نموذج يعتقد أن الحل في الامتلاك والسيطرة (كودو)
ونموذج يدرك أن الوجود نفسه هو رحلة بحث لا تنتهي (أمودو)
وفي عمق هذا التوتر، يحضر الماء كأفق مؤجل:
كودو ينتظره ليؤكد سلطته، وأمودو يسافر نحوه ليضمن بقاءه، لكن كلاهما يظل داخل دائرة عدم الاكتمال.
وهنا يكتسب العنوان "لما الحافي" بعدا أكثر عمقا؛ فـ"الحافي" يمكن أن يُقرأ باعتباره هذا الكائن الذي:
لا يملك ما يحميه (كودو في عجزه رغم ادعاء السيطرة)
ولا يملك ما يستقر به (مودو في ترحاله الدائم)

وبذلك، تتقاطع انتظارية كودو مع سفر أمودو في نقطة واحدة: هشاشة الإنسان أمام شرط الوجود و تحقيق التواجد المستمر في الزمان و المكان.. 
فالأول ينتظر ما لا يتحقق، والثاني يسافر نحو ما لا يدرك، وكلاهما يكشف أن "توطين الماء" يظل أفقا مؤجلا، تماما كما يظل توطين الإنسان في العالم سؤالا مفتوحا.                 أما إذا أضفنا شخصية الراوية إلى هذا البناء في مسرحية " لما لحافي " على لسان الشخصية المتخفية " الراوية "، فإن النص يكتمل على مستوى أعمق، لأنها لا تمثل مجرد صوت ناقل للأحداث، بل تؤدي وظيفة دلالية حاسمة تربط بين الزمن، والذاكرة، والصراع.
فالراوية تقدم بوصفها حافظة للتاريخ، تعيد سرد الوقائع وتفاصيلها، لكن هذا السرد لا يكون محايدا؛ إنه فعل إعادة بناء للذاكرة،  فهي لا تكتفي بنقل ما حدث، بل تعيد تشكيله على لسان أمودو ، وكأنها تقاوم النسيان وتمنح الأحداث معنى يتجاوز لحظتها الزمنية ومن هنا، تصبح الراوية وسيطا بين الماضي والحاضر، تربط ما وقع بما يتكرر، وتكشف أن الصراع حول الماء ليس حادثة معزولة، بل هو جزء من تاريخ ممتد في الزمان و المكان و الاستشهاد بوقائع ...
نفسيا، يمكن قراءة الراوية كشخصية واعية بثقل الذاكرة؛ فهي تحمل عبء الحكي، أي عبء تذكير الآخرين بما يريدون أحيانا نسيانه هذا الوعي يمنحها موقعًا خاصا: فهي ليست منخرطة كليا في الصراع مثل كودو وأمودو، لكنها في الوقت نفسه ليست خارجه عنه ... إنها تقف في منطقة وسطى، حيث الملاحظة والتأويل. وقد يجعلها ذلك أقرب إلى الضمير الجماعي  la conscience collective، يعبر عن تجربة إنسانية أوسع من حدود الشخصيات الفردية المقترحة في الكتابة النصية 
أما على المستوى الفعلي، فإن دورها يتجاوز السرد إلى تنظيم المعنى فهي التي تمنح تسلسلا للأحداث، وتعيد ترتيبها، وتفتح إمكانات القراءة وبهذا المعنى، فإن تدخلها يخلق نوعا من المسافة بين الحدث والمتلقي، مسافة تسمح بالتأمل بدل الانغماس المباشر. ..إنها لا تسرع الصراع ولا تحسمه، بل تكشف طبقاته وتعيده إلى جذوره.
وإذا وضعناها في شبكة العلاقة مع كودو ومودو، تتضح أنها شبكة دلالية ثلاثية:
كودو: يعيش في زمن الانتظار، زمن معلق ومؤجل
أمودو: يعيش في زمن الحركة، زمن السعي الدائم

الراوية: تتحرك داخل زمن الذاكرة، زمن الاسترجاع وإعادة البناء
هذا التوزيع يجعل الراوية عنصر توازن داخل النص؛ فهي تكشف أن ما يعيشه كودو من انتظار، وما يعيشه أمودو من سفر، ليسا حالتين معزولتين، بل لحظتين ضمن تاريخ متكرر...ومن خلال إعادة مسافات الحكي، توحي بأن الصراع قد لا ينتهي، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة و متوثرة 
ومن زاوية رمزية، يمكن اعتبار الراوية تجسيدا للذاكرة الجماعية التي ترفض أن يُمحى أثر المعاناة بفعل بسيط ، فهي تعيد تفاصيل الماضي لا لتجميده، بل لإبراز استمراريته في الحاضر، وكأنها تقول إن أزمة الماء — بوصفها أزمة وجود — ستظل قائمة ما دام منطق الصراع قائمًا ...و يمكن أن تستدل بأحداث في الزمن الحالي 
بهذا، تكتمل البنية الدلالية للنص:
كودو يكشف مأزق الانتظار والعجز المقنّع بالسلطة
مودو يكشف مأزق الحركة والبحث غير المنتهي
الراوية تكشف أن هذا المأزق له تاريخ، ويتكرر

وفي هذا التداخل بين الانتظار والسفر والذاكرة، يتأكد أن "توطين الماء" ليس حدثا مكتملا، بل أفق مؤجل، وأن الإنسان، مهما اختلفت مواقفه، يظل في النهاية عالقا بين ما يتذكره، وما ينتظره، وما يسعى إليه.     

بقلم ذ. عبد الرحيم ضرمام

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : رشيد شكري