تعززت المكتبة المغربية بإصدار مسرحي
جديد باللغة العامية المغربية، بعنوان "صندوق الرمى"، يضم مجموعة من
النصوص المسرحية هي "صندوق الرمى"، و"العمارية"،
و"الرحبة"، و"بلادك أجلول"، ومونودراما بعنوان "الصندوق".
في هذا السياق، قال الكاتب المسرحي
المغربي المسكيني الصغير، "تندرج نصوص الكتاب الخمسة في سياق تجارب المسرح
الثالث، كما رسم معالمه مؤسسه المسكيني الصغير، ورواده سواء على مستوى التنظير، من
خلال البيانات الخاصة أو النقد، أو على مستوى الإبداعات المتنية، من خلال الكتابة
النصية، والإبداعات الركحية من خلال الإخراج.
من أهم مرتكزات المسرح الثالث، حسب
المسكيني الصغير، موقف المبدع المسرحي من مسألة استحضار واستثمار
"التراث". والمنظور الفني الذي صنع الخصوصية في رؤية المسرح الثالث يكاد
يكون قريبا من "احتفالية" عبد الكريم برشيد، و"فرجوية" الطيب
الصديقي، لكن يبقى الطرح والمعالجة من أهم ما يفرق بين كل هاته التجارب المسرحية
الرائدة.
تدخل مسرحية "صندوق الرمى"
التي حمل الكتاب عنوانها في إطار توظيف التراث فنيا، لكن لغاية ورسالة آنية، قد
تكتسي طابع الاستعجال، بالنظر إلى حجم ومستوى الانزياحات النصية والركحية،
والومضات الارتجالية للمشخصين.
يشكل فن "العيطة" والمشتغلين
بها من "شيوخ" و"شيخات" الفضاء العام للمسرحية، ففكرة العيطة
تنتظم في المضمون نفسه كمسرحية "عيطة الروح" لسعد الله عبد المجيد، التي
استلهمت فن العيطة، من خلال شخصية الشيخة "ربوحة" والشخصيات المحيطة بها
شيخ الشيوخ "الكوامنجي" السليماني بوكرن، والشيخة "الرمادية"
الخائنة، والقايد المستبد الخائن عدي بوعميرة"، وكذلك "العيطة
عليك" لمحمد بهجاجي عن شخصية الراحل بوشعيب البيضاوي، ومسرحية "خربوشة"
لسالم كويندي، لكن تبقى مقاربة المسكيني الصغير متميزة في الطابع "النضالي/
الاحتجاجي"، الذي تصطبغ به جل أعماله الإبداعية مسرحا شعرا وزجلا.
شخوص المسرحية الثلاثة من أهل عيطة هم
ضحايا إهمال و"احتقار/ حكرة" مجتمع، ومن ثمة كانت حوارياتهم
ومونولوغاتهم ومحكياتهم وتعابير وجوههم وأجسادهم بوحا يمتزج بمرارة نكران الفضل
والاعتراف.
صرخات العسري وفطومة وبوجمعة هي صرخات
طوابير من الشيخات والشيوخ، الذين تجرعوا مرارة التطويع من ذوي القربى قبل
"التطويع/ الضربة القاضية" للمستعمر الفرنسي الذي وسم نهائيا جانبية (Profil)
"الشيخة" بـ"البورديل" والجنس والخمر، وجانبية
"الشيخ" بالخمر والكيف والرعونة الناجمة عن ملازمة "الشيخات"
المستهترات.
صرخات الشخوص الثلاثة هي أيضا امتداد
لصرخات "بوجمعة الفروج" وأمثاله من "لحلايقية" في مسرحية
"حكاية بوجمعة الفروج".
ولعل من امتدادات نصه الدرامي هذا،
وصرخات شخوصه الثلاثة في "بوجمعة الفروج" صرخات المسكيني
الصغير"النقابي" وهو ينتفض في المنتديات رافضا مآل المسرح وبناياته
وممتهنيه، رافضا مآل الفن والفنانين، والثقافة والمثقفين، وليس عبثا أن تكون آخر
قصائد الزجل عنده بعنوان "شوفو على حكرة"!
ويعد المسكيني الصغير، حسب ما ورد في
مقدمة الكتاب التي خطها الباحث الحسين الشعبي، "أحد رواد الكتابة الدرامية
الطلائعية بالمغرب والعالم العربي، والريادة هنا ليست مرتبطة فقط بتراكم التجربة
وقدمها وتعدد النصوص التي ألفها الرجل، إنما الريادة هنا تتسع لتشمل أيضا، نوعية
الاشتغال الدراماتورجي عند الكاتب، وطبيعة انشغالاته الفنية التي تندرج ضمن ممارسة
ثقافية متسمة أساسا باختيارات سياسية وإيديولوجية واعية وواضحة المعالم، عنوانها
الكبير، فكريا، هو الانتصار للقضايا العادلة للإنسانية عموما، ورهانها الاستراتيجي
فنيا وجماليا يرتبط جوهريا بإشكالية التأصيل والتأسيس في المسرح المغربي والعربي،
ومن ثمة تميزة".
ويتعزز معنى الريادة في هذا المضمار
يضيف الشعبي "حين نعرف أن المسكيني الصغير، شأنه في ذلك شأن نخبة من الكتاب
والمثقفين والمبدعين التقدميين المغاربة، كان يمارس شغبه المسرحي بجرأة نقدية
وسياسية تجاه الأوضاع العامة وطنيا وعربيا".
ولعل المتتبع الموضوعي لتاريخ المسرح
المغربي، والقارئ الرصين للريبرتوار المسرحي المغربي، والشاهد المواكب للحياة
الثقافية المغربية، سيعترف للمسكيني الصغير بإسهاماته المتعددة في تأطير الحركة
الثقافية والفنية ببلادنا بنفس تربوي ونضالي ومواطن، منذ البدايات الأولى لحركة
مسرح الهواة، وصولا إلى الراهن المسرحي الوطني والعربي اليوم.
وحسب الشعبي لا تستقيم أي قراءة أو
استقراء لنصوص وكتابات المسكيني الصغير دون ربطها بالأرضية التنظيرية، التي
ابتكرها وأبدعها وصارت ملتصقة باسمه وصورته ومساره، وهي نظرية "المسرح
الثالث" التي أعلنها في بيانه الشهير والوحيد على هامش المهرجان الوطني لمسرح
الهواة، الذي احتضنته مدينة تطوان سنة 1980، حيث أعلنها ثورة على المسرح السائد
المتسم بالتسطيح والتكريس والتبعية الثقافية.


1:34 م
جمعية محترف مس للمسرح













.jpeg)
.png)






