تتأسس مسرحية
"لما الحافي" على متن درامي يستنطق مرارة الوجود ضمن قالب فرجوي مغربي
بامتياز، حيث يتمحور النزاع الجوهري حول "أحقية الاستغلال" لمنبع الحياة
(العين) والحيز المكاني المحيط به. يتجسد هذا التصادم التاريخي عبر ثنائية
"گودو" و"مودو"، في فضاء سينوغرافي يزاوج بين نقاء الطبيعة
وركام "الأواني والنفايات المعدنية"، وهو ما يعكس بصرياً حالة التشظي
التي يعيشها الفرد المعاصر المحاصر بين غريزة التملك واندثار القيم الأصيلة. النص
يستحضر الروح العبثية لبيكيت لكنه يمنحها نفساً محلياً، حيث يبرز دور
"الممثل" كقوة دراماتورجية واعية تهشم الحواجز الوهمية مع المتلقي،
ناقلةً أحداث العرض من مجرد محاكاة إلى ورشة نقدية تتبنى لغة موغلة في الرمز.
1.الدلالة اللغوية
والرمزية (الماء والإنسان)
لما (الماء): في
الدارجة المغربية، "لما" هي اختصار لـ "الماء". الماء هنا ليس
مجرد عنصر طبيعي، بل هو "أصل الحياة" و"المشترك الإنساني"
الذي يقع حوله الصراع خاصة الأرياف. هو الرمز الذي تتصارع حوله الشخصيات (مودو
وگودو)، ويمثل الطهارة والصفاء اللذين يهددهما الجفاف المادي والقيمي.
الحافي: الحفاء في
الثقافة الشعبية وفي مسرح العبث يرمز إلى العراء الوجودي. الإنسان الحافي هو
الإنسان المجرد من الألقاب، من الحماية، ومن "الزيف" الطبقي أو
الاجتماعي. هو الكائن في مواجهة فطرته وصدقه، وهو أيضاً تعبير عن الهشاشة والفقر
أمام قوى الاستلاب.
2. الفلسفة الوجودية
(الإنسان العاري)
العنوان يحيل على
صورة "الإنسان الذي فقد كل شيء ولم يتبقَّ له سوى قدميه على الأرض". إذا
كان بيكت في مسرحه قد جرد الإنسان ليصل به إلى العدم، فإن "لما الحافي"
عند لهبابطة هو الإنسان الذي يتمسك بصدقه الفطري (حفاؤه) في مواجهة عالم ملوث
بالنفايات المعدنية والاستهلاك (الركام).
ونضيف في هذا
التحليل عمقاً دراماتورجياً مذهلاً لعنوان المسرحية "لما الحافي". ففي
الموروث الشعبي المغربي، دعاء "الله يعطيك لحفا" هو من أقسى
"الدعاوي" لأنه يتجاوز مجرد الحاجة المادية إلى "الإذلال"
وضياع الهيبة والستر.
واستعارة هذه
الأمثولة الشعبية الشديدة القسوة ليصف بها المؤلف "الحالة الإنسانية
الراهنة". وكأن لسان حال الشخصيات يقول: "لقد استُجيبت دعوة 'لحفا'
علينا جماعياً، فأصبحنا حفاة وسط ركام حضارة ميتة".
3. "لما
الحافي" كشخصية اعتبارية
العنوان لا يشير
بالضرورة إلى شخص بحد ذاته بقدر ما يشير إلى حالة:
هو الإنسان الذي
يبحث عن "منبع الماء" (الحقيقة/الأصل) وهو في حالة من التجريد الكامل.
هو تعبير عن
المقاومة بالبساطة، فالحافي هو الوحيد الذي يستطيع الشعور بنبض الأرض وحرارتها
للحاجة، وهو الوحيد القادر على ترميم "المنبع الداخلي" قبل أن يجف.
4.الأبعاد الدلالية
للنص:
استلاب المشترك
الثقافي: يتجلى من خلال تحويل الماء والتربة من فضاء للتعايش إلى بؤرة للتصادم،
مما يؤشر على طغيان النزعة الاحتكارية في العلاقات البشرية وتغليب السيطرة على
التكامل.
تبيئة المسرح
العبثي: توظيف أسماء ذات رنين كوني (گودو ومودو) لا يحاكي العدمية الغربية بقدر ما
يسلط الضوء على "المتاهة المحلية"، حيث يغرق الإنسان في تفاصيل القياسات
الإدارية وصراعات الندرة اليومية.
سيميولوجيا الركام:
تشير وفرة الأدوات الفارغة والمتناثرة إلى حالة "الاستهلاك المفرط" التي
طمست الجوهر الروحي، محولةً الحضارة إلى كومة من الأشياء التي تفتقر للمعنى.
تختتم المسرحية
بمسعى تطهيري يدعو إلى "الاستقامة الروحية" والوفاء للصدق الإنساني،
معتبرة أن النجاة تكمن في نبذ الذاتية المفرطة وترميم المنبع الداخلي قبل أن يجف
تماماً تحت وطأة الصخب المادي.
الخلاصة:
يعد النص صياغة فنية
ناقدة، ترصد تمزق الكائن بين ثقل الذاكرة (مودو) وحداثة الهيمنة المادية (گودو)،
في محاولة لترميم هوية الإنسان وسط عالم يغرق في الزوال.
هنا تتقاطع تجربة
صامويل بيكت، وهو الأب الروحي لما يعرف بـ "مسرح العبث" مع النص المسرحي
"لما الحافي" لحسن لهبابطة في نقاط جوهرية تمس فلسفة العبث، لكنها
تتمايز عنها في كيفية تصريف هذا العبث داخل السياق الثقافي.
أسئلة جوهرية:
السؤال الأول:
إلى أي مدى ستساهم
'دراماتورجيا الفضاء' في تحويل ركام المتلاشيات من تأثيث بصري ساكن إلى 'شريك في
الفعل' يفرض على الممثل مسارات حركية قسرية؟ وكيف ستوظف ثقل هذه الكتلة البصرية
لخلق لغة جسدية تقاوم العوائق، بما يكسر رتابة الأداء المعتادة ويجعل من السينوغرافيا
(الإضاءة والمؤثرات الموسيقية والقطع السينوغرافية والملابس) قوة ضاغطة تخدم
الصراع أو تعيقه فوق الخشبة؟
السؤال الثاني:
إلى أي مدى استلهمت
الرؤية الإخراجية 'سوسيولوجيا الماء' في الدوار المغربي، ليس كعنصر طبيعي فحسب، بل
كمنظومة عرفية انثربولوجية وقيمية صمدت لقرون؟ وهل سيسعى العرض في نهايته إلى
تجسيد تلك الحكمة المتوارثة في تدبير الندرة ويثمنها، محولاً الخشبة إلى فضاء
يستعيد الروح الجماعية التي كانت تُدير 'الأزمات والجفاف' بكثير من التضامن
والذكاء البيئي (التويزة[1])؟
السؤال الثالث:
إلى أي مدى يمثل
العرض استعادة فنية لـ 'قانون السواقي وتدبير العيون' في مواجهة تحديات الجفاف
والصراع؟ وكيف سيستطيع الإخراج الربط بين 'ثقافة الندرة' كواقع مغربي وبين مفهوم
'المشترك الإنساني'، لإعادة صياغة السؤال الوجودي: كيف نحمي منابعنا الداخلية من
الجفاف والاندثار وسط ركام الاستهلاك والاستغلال الفوضوي والعشوائي والهيمنة وجشع
الباطرونا(عين سايس، عين سيدي علي، عين سيدي حرازم) نموذج؟.
بقلم ذ. رشيد شكري
[1] المعنى والمفهوم"التويزة" هي عمل جماعي تطوعي يقوم به أفراد القبيلة أو الدوار لمساعدة شخص ما أو للقيام بمصلحة عامة، دون انتظار مقابل مادي. المحرك الأساسي هنا هو "الواجب الجماعي" وضمان استمرار الروح التضامنية.


3:31 م
جمعية محترف مس للمسرح




تصنيف :