لنا دوما معكم لقاء

الأحد، 3 مايو 2026

قراءة في النص المسرحي"لما الحافي" للكاتب والمخرج حسن لهبابطة

 

في مسرحية " الما لحافي " لا يحضر العنوان باعتباره مجرد تسمية، بل يفتح أفقا دلاليا واسعا يضع القارئ أمام صورة مكثفة ، صورة الإنسان في لحظة تعر وجودي. فـ"الحافي" يحيل إلى الكائن المجرد من وسائل الحماية، العاري أمام قسوة الواقع و حقائقه ، بينما توحي كلمة "لما" بلحظة انتظار أو تساؤل معلق، كأن النص يهيئنا لزمن لم يكتمل بعد و يستمر فيه السؤال و القلق و الثوتر ومن هنا، يمكن ربط هذا البعد بفكرة الانتظارية التي تتجسد خصوصا في شخصية كودو، حيث يتحول الانتظار إلى وضعية وجودية تعكس التعليق الدائم للمصير الإنساني في خضم رحلة بحثه و توطينه للماء
ينبني النص على محور الماء بوصفه عنصرا يتجاوز طبيعته الفيزيائية ليغدو مركزا للصراع ودالا على الحياة والكرامة... فـ"رحلة توطين الماء" تحيل، في عمقها، إلى محاولة الإنسان البحث عن موضع قدم داخل عالم مضطرب، حيث يصبح الماء موضوع تنازع بين قوى مختلفة، لا من أجل امتلاكه فقط، بل من أجل ما يرمز إليه من سلطة وقدرة على التحكم في الوجود...
في هذا السياق، تتحدد العلاقات بين الشخصيات الثلاث: كودو، وأمودو، والراوية " المرأة " ، ضمن توتر دائم.في نص "لما الحافي"، تتكثف الدلالات حول وضعية إنسانية معلقة بين الرغبة في الاستقرار واستحالة و صعوبة تحقيق الوجود ، ويبرز ذلك بوضوح من خلال ثنائية الانتظار والسفر التي تجسدها شخصيتا كودو وأمودو.
فـكودو لا يقرأ فقط بوصفه طرفا في الصراع حول ندرة الماء، بل ككائن غارق في الانتظارية... هذا الانتظار ليس فعلا عابرا أو مرتبطا بحدث محدد ، بل هو حالة وجودية ممتدة effet marquant، توحي بزمن متوقف أو مؤجل ،  إن شخصية كودو يبدو وكأنه ينتظر تحقق شيء ما: ربما امتلاكا صدفة للماء، أو اعترافا بسلطته و تحقيقه لتوطين ندرة الماء ، أو حتى لحظة حسم تنهي التوتر اللامتناهي في خضم هذا الصراع الانساني الوجودي و المشروع droit légitime ، غير أن هذا الانتظار يظل معلقا، و لا يفضي إلى نتيجة عند كاتب النص ، فيتحول إلى نوع من الشلل الوجودي و عرقلة 
بهذا المعنى، يصبح كودو أسيرا لزمن دائري، حيث يتكرر الفعل دون تقدم، ويغدو الانتظار ذاته شكلا من أشكال السلطة الوهمية عند الكاتب : فهو ينتظر ليؤكد سيطرته، لكنه في الحقيقة يكشف عجزه عن الحسم... إن انتظارية كودو تعكس مفارقة عميقة : السعي إلى التحكم في الزمن يقود إلى الوقوع داخله....
في مقابل ذلك، تحضر شخصية أمودو بدلالة مغايرة، خصوصا إذا استحضرنا أن الاسم في الثقافة الأمازيغية المغربية يحيل إلى معنى السفر والترحال... هذه الدلالة ليست عرضية، بل تفتح أفقا تأويليا مهما داخل النص، فشخصية "أمودو "  لا يمثل فقط شخصية تبحث عن الماء، بل يجسد رحلة الإنسان ، الذي لا يملك رفاهية الانتظار، بل يضطر إلى الحركة المستمرة بحثا عن شروط البقاء...
إذا كان كودو يعيش في زمن الانتظار، فإن أمودو يعيش في زمن الحركة.
وإذا كان كودو يسعى إلى تثبيت الماء و امتلاكه، فإن أمودو ينخرط في رحلة دائمة نحوه، دون ضمان الوصول إليه ..
من هنا تتشكل ثنائية دلالية عميقة:
كودو  الانتظار ، الثبات ووهم السيطرة
بينما أمودو  السفر أي الحركة و البحث عن الحياة
غير أن هذه الثنائية لا تعني أن أحدهما يمتلك الحل؛ فالسفر عند أمودو ليس خلاصا نهائيا، بل هو أيضا شكل من المعاناة المستمرة. إنه محكوم بالرخلة و الشقاء و العناء الطويل ، أي بعدم الاستقرار، وكأن وجوده مرتبط دائما بنقص ما، بنقص الماء تحديدا. وبذلك، يتحول السفر إلى قدر، لا إلى اختيار حر.
أما العلاقة بين الشخصيتين، فتبرز توترا بين نموذجين للوجود:
نموذج يعتقد أن الحل في الامتلاك والسيطرة (كودو)
ونموذج يدرك أن الوجود نفسه هو رحلة بحث لا تنتهي (أمودو)
وفي عمق هذا التوتر، يحضر الماء كأفق مؤجل:
كودو ينتظره ليؤكد سلطته، وأمودو يسافر نحوه ليضمن بقاءه، لكن كلاهما يظل داخل دائرة عدم الاكتمال.
وهنا يكتسب العنوان "لما الحافي" بعدا أكثر عمقا؛ فـ"الحافي" يمكن أن يُقرأ باعتباره هذا الكائن الذي:
لا يملك ما يحميه (كودو في عجزه رغم ادعاء السيطرة)
ولا يملك ما يستقر به (مودو في ترحاله الدائم)

وبذلك، تتقاطع انتظارية كودو مع سفر أمودو في نقطة واحدة: هشاشة الإنسان أمام شرط الوجود و تحقيق التواجد المستمر في الزمان و المكان.. 
فالأول ينتظر ما لا يتحقق، والثاني يسافر نحو ما لا يدرك، وكلاهما يكشف أن "توطين الماء" يظل أفقا مؤجلا، تماما كما يظل توطين الإنسان في العالم سؤالا مفتوحا.                 أما إذا أضفنا شخصية الراوية إلى هذا البناء في مسرحية " لما لحافي " على لسان الشخصية المتخفية " الراوية "، فإن النص يكتمل على مستوى أعمق، لأنها لا تمثل مجرد صوت ناقل للأحداث، بل تؤدي وظيفة دلالية حاسمة تربط بين الزمن، والذاكرة، والصراع.
فالراوية تقدم بوصفها حافظة للتاريخ، تعيد سرد الوقائع وتفاصيلها، لكن هذا السرد لا يكون محايدا؛ إنه فعل إعادة بناء للذاكرة،  فهي لا تكتفي بنقل ما حدث، بل تعيد تشكيله على لسان أمودو ، وكأنها تقاوم النسيان وتمنح الأحداث معنى يتجاوز لحظتها الزمنية ومن هنا، تصبح الراوية وسيطا بين الماضي والحاضر، تربط ما وقع بما يتكرر، وتكشف أن الصراع حول الماء ليس حادثة معزولة، بل هو جزء من تاريخ ممتد في الزمان و المكان و الاستشهاد بوقائع ...
نفسيا، يمكن قراءة الراوية كشخصية واعية بثقل الذاكرة؛ فهي تحمل عبء الحكي، أي عبء تذكير الآخرين بما يريدون أحيانا نسيانه هذا الوعي يمنحها موقعًا خاصا: فهي ليست منخرطة كليا في الصراع مثل كودو وأمودو، لكنها في الوقت نفسه ليست خارجه عنه ... إنها تقف في منطقة وسطى، حيث الملاحظة والتأويل. وقد يجعلها ذلك أقرب إلى الضمير الجماعي  la conscience collective، يعبر عن تجربة إنسانية أوسع من حدود الشخصيات الفردية المقترحة في الكتابة النصية 
أما على المستوى الفعلي، فإن دورها يتجاوز السرد إلى تنظيم المعنى فهي التي تمنح تسلسلا للأحداث، وتعيد ترتيبها، وتفتح إمكانات القراءة وبهذا المعنى، فإن تدخلها يخلق نوعا من المسافة بين الحدث والمتلقي، مسافة تسمح بالتأمل بدل الانغماس المباشر. ..إنها لا تسرع الصراع ولا تحسمه، بل تكشف طبقاته وتعيده إلى جذوره.
وإذا وضعناها في شبكة العلاقة مع كودو ومودو، تتضح أنها شبكة دلالية ثلاثية:
كودو: يعيش في زمن الانتظار، زمن معلق ومؤجل
أمودو: يعيش في زمن الحركة، زمن السعي الدائم

الراوية: تتحرك داخل زمن الذاكرة، زمن الاسترجاع وإعادة البناء
هذا التوزيع يجعل الراوية عنصر توازن داخل النص؛ فهي تكشف أن ما يعيشه كودو من انتظار، وما يعيشه أمودو من سفر، ليسا حالتين معزولتين، بل لحظتين ضمن تاريخ متكرر...ومن خلال إعادة مسافات الحكي، توحي بأن الصراع قد لا ينتهي، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال مختلفة و متوثرة 
ومن زاوية رمزية، يمكن اعتبار الراوية تجسيدا للذاكرة الجماعية التي ترفض أن يُمحى أثر المعاناة بفعل بسيط ، فهي تعيد تفاصيل الماضي لا لتجميده، بل لإبراز استمراريته في الحاضر، وكأنها تقول إن أزمة الماء — بوصفها أزمة وجود — ستظل قائمة ما دام منطق الصراع قائمًا ...و يمكن أن تستدل بأحداث في الزمن الحالي 
بهذا، تكتمل البنية الدلالية للنص:
كودو يكشف مأزق الانتظار والعجز المقنّع بالسلطة
مودو يكشف مأزق الحركة والبحث غير المنتهي
الراوية تكشف أن هذا المأزق له تاريخ، ويتكرر

وفي هذا التداخل بين الانتظار والسفر والذاكرة، يتأكد أن "توطين الماء" ليس حدثا مكتملا، بل أفق مؤجل، وأن الإنسان، مهما اختلفت مواقفه، يظل في النهاية عالقا بين ما يتذكره، وما ينتظره، وما يسعى إليه.     

بقلم ذ. عبد الرحيم ضرمام

 
Design by Free WordPress Themes | Bloggerized by Lasantha - Premium Blogger Themes | Best Buy Coupons تعريب : رشيد شكري